الاثنين، 19 فبراير 2018

على هذه الأرض ما يستحق الحياة


لم نُخلق عبثاً، ولم تُوجد حياتنا بالصدفة، ولم نأتِ إلى هذه الأرض لأنّنا اخترنا أن نأتي بمحضِ إرادتنا، بلْ هي مشيئة إلاهية أزلية، قدّرت أن نكون أنتَ وأنا جزءا من هذا العالم، لبنةً من لبناته، قانوناً من قوانينه، هل تتصور أن يكون العالم بدونك؟ من غير لَمستك، نَفَسك، أثَرك، كَيْنونَتك؟ لا أبداً، فالعالم خُلق وعُدّل على مقاسك، لتكون أنتَ فيه، وليس شخصاً آخر، لقد اختاركَ القدرُ أنتَ وحدَك لتظفرَ بشرف المشاركة، دون دعوةٍ من أحد، أو تكلّفٍ من أحد، أنتَ هنا ليس بوساطةٍ من أحد، ولا بتكرُّمٍ من أحد، أنتَ هنا بشخصيتك، ووجودك، هذا هو مركزُ قوّتك العظمى، ومظهر من مظاهر هَيْبتك وحريتك التي جئت بها إلى الدنيا دون استئذانٍ من أحد.
لقد شاءتْ مشيئة الله عزّ وجلّ أن يحلّ على هذا العالم إنسانٌ هو أنت، وجعل لقدومكَ بشرى يسعدُ بها كل من حولك، فَقُدومك كان سعادة للآخرين، وليس نقمةً عليهم، لقد نِلتَ من الحنان والحبّ والعِناق ما جعلك تشعرُ بعُمقِ الحبّ وماهيته، تلمسُ صدقَ مشاعرِ المحبّين، ودفءَ ما يجمعك بهم من روابط إنسانية سامية.
جئتَ إلى هذا العالم تَرتعد، تبكي وتصرخ، لكنّك سرعان ما هدأتَ واطمأننت بعد أن لمستَ الحنانَ في عيون المتجمعين من حولك، كان أوّل لقاءٍ لكَ بالعالم مكسوّا بالعطف والسعادة، لم يتنفّس مجيئك المبارك غير هذه الأحاسيس، فكان أوّل ما تستقبل به فرحة الآخرين بك، ابتسامة بريئة، ولسان حالك يقول : على هذه الأرض ما يستحق الحياة.
ومرّت الأيام، وبدأتَ تخطو خطواتك الأولى، تحاولُ المشيَ بإصرارٍ فتسقط، لتُعيد الكرّة مرّة أخرى، إلى أن نجحتَ في تثبيتِ رجليك على الأرض، كان هذا الموقف أوّل انتصارٍ شخصي لك في مواجهة تحديات الطبيعة، دون مساعدةٍ من أحد، أو قرارٍ من أحد، وقفتَ على رجليك لأنّك علمتَ أنّ وقت الوقوف قد حان، وفعلتَ ذلك بإرادةٍ خالصة منك، دون تردّد أو اتّكال، وتمكنتَ أخيراً من بلوغ النّافذة وفتحها، واكتشافِ عالمٍ آخر أوسع بكثير من الجدران المحيطة بك، وفتحتَ النافذة على مصراعيها، فإذا بالكون ينبسطُ أمامَك، والطبيعة تكشف لك عن سحرها وجمالها، وتتدلّل لك كطفلةٍ صغيرة في مثل سنّك، فأنت لست إنساناً عادياً، وقدومُكَ ليس بالأمر الهيّن، والطبيعة بكل ما فيها من وديانٍ وتلالٍ وبحارٍ وأشجارٍ هي لك، مِلكك، وُجدت لأجلك، لو لم تكنْ أنت لما كانت هي، ولو غابتْ هي أو غبتَ أنتَ من نظام الوجود المُحكم لحدث خللٌ في موازين الكون ودقّته، ولكان حتماً مصيره الفناء. وأنت تتأمّل من نافذتك وتتساءلُ في عظمةِ الخالق، ورونقِ المخلوق، تغنّي لك الطيور فَرِحةً بك، ويتموّج الزّرع الأصفر أمامك وكأنه يلوّحُ لك بالتحية، تصفو السماء بشمسها الساطعة، ويداعبُ وجنتيك هواءٌ عليل، فينطقُ قلبك بهجة: على هذه الأرض ما يستحق الحياة.
لقد جئتَ إلى هذا العالم نسخة فريدة، لا تشبه غيرك، ولا يشبهك أحد، جئت حرّاً مجرداً من كل عِبء، وليس في عُنقك من حبلٍ يخنقكَ إذا أنتَ لم تؤدّ مُهمتك على أكمل وجه، ولا مسؤولية على عاتقك سوى أن تحافظ على سرّ الوحدانية في قلبك، فيكون ذلك نبراساً ومعيناً لك على كل شيء، تلك هي مسؤوليتك في الحياة، وما دون ذلك لا شأن لك بما يؤول إليه عُمرُك، وتُمحى فيه سنواتُك، ويُقَسَّم فيه رزقُك، لا تحمل همّ أن تكون مرموقاً في مجتمعك، واصلاً أعلى درجاتِ المكانة، فيصير ذلك سيفاً على عنقك يلازمك في حياتك كلّها، ولا يشغلنَّكَ همٌّ كالجبال، يُجبرك إجباراً أن تصير مثلاً شخصيةً مشهورة، أو عالماً فذّا، أو فقيهاً متمكّناً، فهناك ملايين المشاهير والعلماء والفقهاء في الأرض، ولن تصنعَ بذلك من معجزة مهما فعلتَ إلا بالقَدْر الذي تُتيحه لك ظروفك التي لا مفرَّ منها، وما من معجزة تصنعها أكبر من إحساسكَ بنفسكَ واعتزازك بها، فكما يحسُّ الطبيب بنشوةٍ خاصة عند نجاح عملية جراحية، كذلك يُحسُّ الفلاح بنفس الشعور عندما يرى أثرَ مجهوده على محصوله، وكذلك يحسُّ رائد الفضاء عندما تطأ رجله كوكباً من الكواكب.
الحياة صعبة، هذا هو القول السائد، وهي فعلاً كذلك بمقدارِ ما نراها على هذا الحال، وإن كانت صعوبتها واقعة فهي ليست ثابتة، وليس من ثابتٍ في الحياة سوى إيمانك الراسخ بأنّك تستطيع فعل كل شيء، وتحقيق أي هدف، وتجاوز أي عائق، هذا ما يجب أن يكون ثابتاً في حياتك، ودرساً تجعله صوب عينيك، وجزءًا من قراراتك الداخلية، ومدخلاً لتغيير واقعك.
لا يزال الخير يُحيط بك من كل جهة، فأنتَ لم تأتِ إلى العالم لتلقى شرّاً، أو تعش شقاءً، وإن كان ذلك يُهيّأ لك حينا من الدهر، لا شكّ أن إنسانيتنا تتجدّد مع سقطاتنا وتجاربنا في الحياة، ستجدُ من يمدُّ لك يد الخير، ستجد من يقول لك انتبهْ وأنت تخطو خطوات نحو الهاوية، ستجدُ من يمنحك كلمة طيبة تُنمي طاقتك، توقظ إنسانيتك، تحيي حبّك للحياة، لا بدّ وأن تواجه مواقف تُشعرك أنّك ما زلت عاجزاً على إحياء ذاك الإنسان بداخلك، الإنسان الذي من المفترض أن يكون أنت، الإنسان الذي خبّأته بستارٍ من اليأس وعدم الثقة، الإنسان الذي أقبلَ محبّاً للحياة من أوّل يوم، أرادته الحياة، اختارته الحياة، عشقته الحياة، ما مِن قوّة تحول دون طُموحه، أنت لن تغادر الدنيا حتى تأخذَ نصيبك من كل شيء، من سعادةٍ وشقاء، وفرحٍ وألم، ومن منّا قضى حياته دون أن يتوقّف عند هذه المحطات، فلا تعتقد أنك وحيد تعاني في هذا الكون، أو أنك السّعيد الوحيد الذي يرقصُ ويغنّي فيه. هذه المشاعر انعكاسٌ لنفسيتك، فكم من حزين بلا سبب يقطر قلبُه دمعاً وهو كائنٌ في جوٍّ من السعادة، وكم من سعيد تحيط به الأحزان من كل جانب وهو قانعٌ مغتبطٌ يصنع سعادته من واقعه البسيط، على هذه الأرض ما يستحق الحياة.
لا تقلّل من شأنك، وليس عيبك الظاهر سوى في ما آلتْ إليه نفسُكَ من سوء تقديرِكَ لها، ولا يغرنَّك ما وصل إليه غيرك من علمٍ وجاه، فكل شيءٍ بمقدار، ولا أحد يرضى بما لديه ولو ملك كلّ ما يُريد، فضُعفُ الإنسان مُتَجَذِّرٌ في جشعه، وقوّته في اقتناعهِ بنصيبه ورضاه به، ولكن كُنْ على يقين أنّك ما جئت هنا.. إلا لتصلْ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قائمة المدونات الإلكترونية