الأربعاء، 8 أغسطس 2018

الإنسان ضعيف.. لا تطلبوا منه المستحيل!


تُريدون من الإنسان أن يُقاوم حتى لا تجد مقاومتُه ما تُقاوم، تريدون أن يتحمّل جبالاً من الصبر وشظف العيش والحرمان فلا يتنهّد أبداً ولو تنهيدةَ الخلاص، تريدون منه أن يتحدى قوانين الطبيعة ويتحدى إنسانيتَه فيعيش خائفاً متهيّباً مما لا يُلائم إنسانيته، تريدون أن ينتظرَ في طابورٍ طويلٍ لا أوّل له ولا آخر، ولا ظلّ له ولا حافز، حتى إذا جاءَ دوره وجدَ السراب وانتهى به الانتظار إلى بهتانٍ عظيم.
تريدون من الإنسان أن يفعلَ الخير ولا خير يُفعلُ له، أن يكون صادقاً مع الناس، ولا صدقَ يتعامل معه، أن يكونَ متفهّماً للأمور من حوله ولا أحد يتفهم معاناته أو يحس بتعاسته وشقاءه، تريدون منه أن يبتسم حين تُفضلون في وجهه الابتسام، وأن يُكشّر حين تدعو الأوضاعُ إلى مزيدٍ من الاستياء والحزن، تريدون أن يكون على أُهبة الاستعداد حين يُطلب منه التفاني في خدمة قضيةٍ أو الدفاعِ عن وطن، ولا يلتفتُ إليه أحدٌ حين يكون أحوج إلى أن يلتفتَ إليه أحد.
هو إنسانٌ متوجّع، أضنته المواجع وكسَرت ظهره وجرفته إلى أعماق الهاوية، وكأنه اقترف كل ما على هذه الأرض من ذنوب، لا يفرُّ إلى بصيص الأمل إلا ويفرُّ منه، ولا يعزِمُ على الرحيل إلا وتَغدرُ به الأمواج، ولا يهربُ بنفسه إلى التلال الخاوية البعيدة إلا وتطرده الأمطار والعواصف في حرّ الصيف، ولا ينزوي وحيداً بعيداً عن الخَلق إلا وتطارده الأشباح والكوابيس، فهو لم يُصفِّ بريئاً، ولم يُجوّع محتاجاً، ولم يَسجن مظلوماً، ولم يفترس حمَلاً وديعاً في ظلمة الليل، ورغم ذلك فهو الموشوم دائماً بوشم الخطيئة، والموصوف دوماً بأوصاف الجُرم والكبيرة، والمغدور من أقرب الناس إليه.
هو ليس بمجنون، وإن كان الجنون يتلبّسه من هول الجوع والعطش فيهذي بما لا يفهم، ويأتي بما لا يُقدّر، وليس هو بقاتل، فالقتل آفة الحِقد والعبث لا يدفعه إليها سوى همزٌ من شياطين الإنس وما أكثرهم، وليس هو بكاذب، فالكذب عادةُ العصر تخترق شرايينه من كثرةِ ما يسمع من لغوِ الكذب وأفعاله، وليس هو بظالم، فكيف يكون المظلوم في حقّه ظالماً والظالم هو المظلوم، وليس بقاسي القلب، فقد أوتي قلباً كبيراً لو تجلّى في عذريته للناس لكفاهم رحمةً ورأفة، ولأنبتتِ الأرض منه أزهاراً سترت قسوة القدر وإرهاب الزمان.
هو مخلوقٌ لا يضرُّ أحد، ولا يُسيء لأحد، وقد يضرُّ ويُسئ فعلاً إذا أُسيء إليه، أو ضرَّه مكروهٌ من أحد، وكذلك طبيعة كل مخلوق، ولقمةُ خبزٍ عفيفةٍ كريمةٍ قد تُشكّل له الغِنى والمُلك، وحقٌّ يراهُ ويعيشُه قد يكفيهِ عن أي شيء آخر، وأمنٌ يتقلّب فيه قد يُهلّل وجهه ويُنسيه بعضاً من آفاته، لكنه قد يُكشّر أنيابه إن غاب هذا وذاك.
ماذا تريدون من الإنسان؟ إنه كائنٌ ضعيف خُلق ضعيفاً، فلا تنتظروا منه أن يخترق آفاق السماء ليأتي لكم بما تطلبون، أو يحفر بأظافره في الصخر ليستخرج لكم الماس الذي تعشقون، أو يستلقي على بطنه مع أقرانه واحداً تلو الآخر ليصنع لكم طريقاً معبدةً تمرّون منها لتُحققوا نزواتكم الجامحة، لا تنتظروا منه كل هذا، فالإنسان ضعيف.. وأنتم من أضعفتموه!

وحين يحلم بأرضٍ في أرضه فلا يجد لذلك سبيلا، وحين يحلمُ في أرضهِ ببيتٍ يأويهِ ويأوي عياله فلا يجد لذلك مُلتفتا، وحين تتكالب عليه الأمراض والأسقام من كل جانب فلا يجدُ من يمنحه ثمنَ الدواء، وحين يصعد قمة الجبل يتأملُ السائرين إلى الكُتّاب وهو يُصوّب بيده الصغيرة ناياً من قصب لينشدَ به لحنَ الأحزان، وحين يُطردُ من أرضه فلا يجد حتى من يُودّعه ويضمد جراحه ويواسي هجرتَه المريرة سوى دموعه الباكية المنهمرة، تريدون منه كلَّ شيء وأيَّ شيء والكثير من الأشياء الأخرى، ولا تُعطونه من نصيبه أي شيء، فلماذا تطلبون كل هذه الأشياء ولا تُحقّقون له ولو قدرا ضئيلاً مما تطلبون؟
تريدون منه أن يتحول إلى بطلٍ مغوارٍ لا تُرهبه قوّة الطبيعة العاتية، ولا تقسمُه نوائبُ الدّهر المتوالية، وهو عاجزٌ كل العجز عن تأمين لقمة عيشٍ واحدة، تريدون منه الفضيلة المُثلى وأنتم تصنعون حوله كلَّ قبيح، وتسبّونه حين يتمرّد على التقاليد والعادات أيّما سبٍّ، وأيّما احتقارٍ، وأيّما تهجم، بيدَ أن كل التقاليد المضنية المعقّدة الطويلة ليس فيها تقليدٌ واحدٌ يحثُّ على صون حقوقه والإشفاق عليه، واحترام أحلامه والإنصات له، والأخذ بيده إلى طريق الحياة، تُريدونه ساحراً يصنع من واقعه العجائب، يُحوّل الصعب إلى لِين، والرخيص إلى عقدٍ ثمين، يبلعُ الغصّات المقهورة في أحشائه درراً من المتاع الموهوم، ويُوجد اللقمة قبل أن تلفظها الحقول الجدباء.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قائمة المدونات الإلكترونية